خطبة الجمعة للشيخ الخطيب

ادى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس والقى خطبة الجمعة التي قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وعلى جميع الانبياء والمرسلين والشهداء والصالحين.

يقول تعالى في كتابه العزيز أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا “فما هي هذه الامانة التي تتحدث عنها هذه الاية المباركة، والتي ابت السماوات والارض والجبال حملها وحملها الانسان مؤكدا انه كان ظلوما جهولا، وما معنى ان تعرض على السماوات والارض والجبال وهي مخلوقات غير قابلة للمخاطبة، وما وجه المقارنة بين الانسان الذي يعقل ويفهم وبين السماوات والارض والجبال الغير عاقلة وبالتالي هي غير قادرة على التخاطب اصلا.

وأياً كان المقصود من الامانة فمن الواضح أنه سبحانه اراد بيان التمايز بين الانسان والامكانيات التي أعطيت له وبين سائر المخلوقات التي تكبره خلقاً كما عبّر تعالى عنها بقوله،( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، فالانسان ومع افتقاده لهذه المواصفات من الشدة والصلابة وكبر الحجم وما شاكل فقد اختص بهذه الامكانية وهي حمل هذه الامانة ، بما اودع الله تعالى فيها من قابليات حرمت منها سائر المخلوقات وابت عن حملها واشفقت لافتقادها لهذه القابليات، فالمقصود من عرض الامانة عليها بيان افتقادها لهذه القابليات وتميز الانسان عنها بذلك والفات نظره الى عظيم النعمة التي أُوتِيها واهمية الوظيفة التي حُمِّلَها واُنيطَ به القيامُ بها ، ومن اجلها سخرت له سائر المخلوقات ومنها التي تكبره حجماً وشدة وصلابةً وهي السموات والارض.

وبذلك وبهذا البيان وطريقة العرض لهذه الفكرة تظهر اهمية هذه الامانة وتدفع باهتمام اكبر الى القيام بما تقتضيه من مسؤولية أمام الله تعالى، فهي بمقدار ما تُظهر من عظيم النعمة التي اولاها له الله تعالى بمقدار ما تُظهر حجم المسؤولية التي تحملها وان يحرص بالتالي على ان يكون اميناً على ادائها لانها تختصر كل الهدف الذي كان الخلق والكون من اجله، وهنا وجب العودة الى السؤال الاول لمعرفة هذه الامانة التي قبل الانسان ان يتحملها وعجز الكون عنها، لقد كانت هناك اجابات مختلفة عن هذا السؤال، واقربها الى الصواب هو ( الولاية الالهية )، فالولاية الالهية وهي استخلاص الله تعالى من الناس من بلغ الغاية في العبودية التي تتحصل بالعلم  والمعرفة واقامة الحق والعدل، وهم الانبياء والاوصياء. هذه العدالة التي يفتقدها العالم اليوم بفعل الجهل والظلم الذي يرتكبه الانسان بحق نفسه والتي يفتقدها الانسان في هذا العالم ولاسيما نحن في لبنان.

ان اللبنانيين اليوم يعانون من ظروف اقتصادية صعبة تلقي بتبعات ثقيلة على كواهلهم في ظل تدني سعر الليرة وانعدام الدعم على المواد الاستهلاكية والضرورية وغياب المعالجات الحكومية للازمة الاقتصادية مما يفاقم حدة الضائقة المعيشية، ولا سيما اننا مقبلون على فصل الشتاء وعام دراسي جديد يرتب اعباء جديدة على الاهل والطلاب مع غياب الحل الجذري لاضراب الهيئات النقابية والتعليمية، وندعو الدولة الى انصاف موظفيها ومعلميها وتوفير الحد الادنى من الدعم والتقديمات الاجتماعية التي تحفظ لهم حقوقهم وتساعدهم للقيام بدورهم الوظيفي، وهنا نسأل الحكومة عن خطتها الطارئة لاخراج اللبنانيين من معاناتهم اليومية واين اصبحت البطاقة التمويلية، واين اصبحت المساعدات الدولية لانقاذ اللبنانيين، ونحن نشدد على ضرورة وصول المساعدات الى مستحقيها عبر مؤسسات واجهزة الدولة ونحذر من استغلال حاجة الناس ووجعها في تحويل هذه المساعدات الى جهات مشبوهة تسعى الى استغلال حاجات الناس وفقرها لتحقيق مكاسب سياسية لا تخدم المشروع الوطني الذي نرى ان الدولة بمؤسساتها و وزاراتها هي المسؤولة مباشرة عن رعاية المواطنين وتوفير مقومات العيش لهم وتحقيق الاستقرار الاجتماعي بما يعزز  مفهوم الانتماء الوطني ويحقق العدالة الاجتماعية لكل المواطنين دون تمييز وتفرقة.

ونحن اذ ندعو اللبنانيين الغيارى على مصلحة وطنهم وحفظ كرامة شركائهم في الوطن وتوفير العيش الكريم لهم، ان يجندوا انفسهم لمساعدة اهلهم من منطلق وطني وانساني، وبالمقابل فاننا نطالب القوى السياسية وكل من له تأثير وقدرة على تأمين مساعدات خارجية ان يقوم بواجبه في دعم لبنان للخروج من الازمة المعيشية ولجم الانهيار الاقتصادي، ومن يريد ان يثبت وطنيته وحرصه على ابناء وطنه فليبادر الى تسخير علاقاته ونفوذه لانقاذ لبنان وشعبه، بدل ان يعمق الشرخ بين اللبنانيين ويكون اداة فتنة لتخريب الوطن .

ان لبنان بلد عربي ونحن حريصون على اقامة اطيب العلاقات مع الدول العربية ولاسيما المملكة العربية السعودية، ولا احد في لبنان يريد قطع هذه العلاقات ، وكنا ننتظر دعم المملكة ووقوفها الى جانب لبنان وخاصة انها لعبت دورا اساسيا في وقف الحرب الفتنة واستضافت القوى السياسية في مدينة الطائف للتحاور والتشاور لوقف الحرب فكان اتفاق الطائف ثمرة الجهود السعودية لاعادة الوئام بين القوى المتنازعة في لبنان، لكننا فوجئنا بقرارها الذي لم يكن له مبرراته، واذا كان هناك من مشكلة بين المملكة العربية السعودية وحلفائها في لبنان، فان لبنان لا يتحمل وزر هذه المشكلة وتبعاتها على اللبنانيين، لذلك ندعو السعودية الى التراجع عن قرارها والعمل بجدية لتطوير علاقات التعاون بما يخدم البلدين والشعبين الشقيقين، ونعتبر ان الحوار والتشاور خير وسيلة لتحقيق هذا التعاون.

وفيما يتعلق  بالانتخابات النيابية التي نعتبرها استحقاقا دستوريا وطنياً ينبغي ان يجري في مواعيده وان يشارك فيه كل اللبنانيين، حتى يعبّروا عن ارادتهم وارائهم في اختيار ممثليهم بكل حرية وشفافية، بما ينتج سلطة سياسية قادرة على تحقيق امال اللبنانيين، و نعتبر ان هذا الاستحقاق فرصة جديدة لانتظام العمل السياسي في لبنان ليقوم المجلس الجديد بدوره التشريعي ومساءلة السلطة الاجرائية ومراقبة سير عملها بما يحقق تطلعات اللبنانيين التواقين الى قيام الدولة بدورها ومسؤولياتها تجاه مواطنيها، ونحذر من التدخلات الاجنبية في الانتخابات عبر استغلال وجع اللبنانيين بتقديم المساعدات والاموال المشبوهة لهم، وفي الوقت عينه نطالب اللبنانيين ان يحكموا ضميرهم في اختيار الاصلح والافضل والاقدر من المرشحين القادرين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة.

ونحن اذ نجدد موقفنا ودعمنا ووقوفنا الى جانب عوائل شهداء المرفأ والطيونة من منطلق ان هؤلاء الشهداء مظلومون ابرياء ولا يجوز بأي شكل من الاشكال ان تذهب دماؤهم هدراً، فاننا نطالب بتصحيح المسار القضائي للوصول الى الحقيقة وكشف المجرمين والمتورطين والجهات المحرضة بما يحقق العدالة دون سواها، فهؤلاء الشهداء والجرحى هم اهلنا واخواننا ومصاب عوائلهم ادمى قلوبنا ومقتضى حفظ حقوقهم ان يعمل كل اللبنانين للوصول الى الحقيقة.

 

أخبار مشابهة

أكّد رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع أن الإناء بنضح بما فيه، وقناة العالم الإيرانيّة ذهبت إلى حد اتهام غبطة أبينا البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبي بـالعمالة في الوقت الذي هم ليسوا فقط مجرّد عملاء وإنما مشهود لهم بذلك منذ القدم