اللقاء الحواري في الجامعة الاسلامية في لبنان

برعاية رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب اللبناني النائب الدكتور ميشال موسى وبدعوة من رئيسة الجامعة الإسلامية في لبنان الأستاذة الدكتورة دينا المولى أقام مركز حقوق الإنسان في الجامعة الإسلامية في لبنان بالتعاون مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا اللقاء الحواري بين” التطرف والحرية في التعبير” في قاعة المؤتمرات في مقر الجامعة _ خلدة،  واشتمل على محورين: الأول حمل عنوان ” التطرف في التعبير: والثاني” حرية التعبير، بحضور المدعي العام المالي القاضي الدكتور علي إبراهيم، امين عام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى نزيه جمول وحشد من الشخصيات الفكرية والثقافية والتربوية والأكاديمية وعمداء الجامعة واساتذتها ومهتمين، و ادار اللقاء الإعلامي والباحث السياسي عباس ضاهر. 

وبعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم للشيخ محمود المقداد، والنشيد الوطني اللبناني، تم عرض فيلم مصور عن الجامعة وفروعها، و القى مدير مركز حقوق الإنسان الأستاذ الدكتور عباس جابر كلمة ترحيبية في الجلسة الافتتاحية جاء فيها: عندما حازت الجامعة الإسلامية في لبنان على شرف إنشاء مركز حقوق الإنسان بالتعاون مع المفوض السامي للأمم المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بهدف ترسيخ الوعي الوطني الجماعي لدى الشباب اللبناني عموماً والطلاب الجامعيين خصوصاً بغية دعم التعايش السامي بالحوار.  

 و القت رئيسة الجامعة الدكتورة المولى كلمة استهلتها بالقول: السلام عليكم من هذا الموقع من خلدة الذي إعتز به كل لبنان وشكّل حصناً للدفاع عن كرامة اللبنانيين في مثل هذه الأيام عام 1982.السلام عليكم من هذا الموقع الذي كان مقراً للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وقاعدة ومنطلقاً لرجال آمنوا بالحوار وعملوا له ودفعوا الأثمان الغالية، كان ذروتها تغييب إمام الحوار سماحة الإمام السيد موسى الصدر، الحوار الذي آمن به كـــل مــــن عمــل على تأسيـــس وتطويــــر الجامعــــة الإسلامية فـــي لبنــــان علــــى أنهـــا ” جامعة لكل الوطن ” من الإمام الراحل شمس الدين إلى الإمام قبلان أطال الله بعمره وإلى الحاضن الأكبر لمسيرتها  دولة الرئيس الأستاذ نبيه برّي رجل الأمل الباقي لهذا الوطن. 

واردفت… أرحب بكم كلّ الترحيب في هذا اللقاء الحواري المميّز وأشكر كل الشكر              معالي الوزير الدكتور ميشال موسى على قبوله الرعاية لهذا اللقاء ومن كان أفضل منكم يا معالي الوزير ليكون الرّاعي؟ لأنّ مسيرتكم في العمل الوطني شاهدة على ذلك، منذ بدايتها ومن خلال كلّ المواقع التي تسلمتموها، الوزارية أو النيابية، فإن رئاستكم لمركز حقوق الإنسان في اللجنة البرلمانية تبقى هي الموقع الأسمى، حيث تسعون من خلاله إلى تعزيز موقع الإنسان في وطنه وفي مجتمعه وبيئته في زمن تشتد فيه الأزمات على كل الصعد وتضرب الإنسان في عمله ومعيشته وكرامته فيزداد حقداً وكراهية لكلّ ما هو حوله ويعبّر عن ذلك تارّة بشتى الطرق الديمقراطية والدستورية وتارّة يدفعه الظلم إلى الخروج عن قواعد النظام، هذا ما يجعل المواطن في حيرة من أمره من حيث إستعمال حرية التعبير التي باتت وسيلة وحيدة يواجه فيها جلاديه ومحتكريه أو أن يصل به المطاف إلى التطرّف في التعبير ممّا ينذر بأقسى العواقب التي تهدّد كيان الوطن ووجوده وتدمّر بنياه فتتحول الحريّة إلى فوضى لا تؤدي إلّا إلى الخراب وهنا تطرح الإشكالية هل نحن مع هذه الحرية الديمقراطية التي قد تؤدي إلى التطرف وما هو البديل في ظل الأنظمة السائدة؟  

وتابعت… من هنا ارتأت الجامعة أن تدخل في مضمار هذا البحث الشائك ولكي تصل إلى غايتها، سعينا عندما أتيحت الفرصة وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة عن رغبتها بافتتاح مركز لحقوق الإنسان في إحدى الجامعات اللبنانية عملنا على المنافسة وفازت الجامعة الإسلامية في لبنان نظراً لبرامجها الإجتماعية وسيرتها ومكانتها والتصنيفات الدولية التي حازت عليها، إلى إنشاء مكتب حقوق الإنسان ( HCR) في الجامعة بالتعاون مع المفوّض السامي لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا OHCHR وبعد الندوة الإفتراضية الأولى التي قام بها المركز والتي تمحورت حول ذكرى العدالة الإنتقالية وأهميتها على صعيد الإنسان في لبنان، يأتي اليوم النشاط الثاني تحت عنوان: « اللقاء الحواري بين التطرف والحريّة  في التعبير » واخترنا له نخبة من رجال الدين من أصحاب السماحة والسيادة وأساتذة فكر تشهد لهم المنابر وسيقدمون لنا بعضاً من كنوزهم حول حرية التعبير وآثارها والتطرف وانعكاساته على المجتمعات والأوطان.  

وأشارت الى ان هذه النقلة النوعية التي تقوم بها الجامعة من خلال مركز حقوق الإنسان هي للتأكيد على مسيرتها ليس فقط الأكاديمية التي شهدت تفوقاً في لبنان وحفرت لنفسها مواقع رائدة في التصنيفات العالمية بل في مقاربتها أيضاً لمواضيع الساعة الشديدة  الخطورة أهمها دراسة أحد أركان الحريات العامة التي نصت عليها مواثيق الأمم المتحدة ودساتير الدول جمعاء ألا وهو حرية التعبير وآثار التطرف وهذا ما أحببنا مناقشته في هذا اللقاء الحواري. لأنّنا نسعى إلى تعزيز مبدأ حرية التعبير الذي يؤدي إلى تحرير الشعوب والمجتمعات لوضعها على طريق النهضة والعدالة والمساواة والحريّة المبنيّة على قاعدة دفع الأوطان نحو الإزدهار لأن حرية التعبير هي منحة إلهية وجدت من أجل حرية الإنسان وعزته وكرامته كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿ ولقد كرّمنا بني آدم ﴾ دون تفرقة أو تمييز لا بين أجناس البشر ولا طبقاتهم أو مستوياتهم.  

من هنا فإنّنا نرى أنّ نضال الشعوب من أجل الحرية لا يجب أن يتحوّل إلى تطرّفٍ يؤدّي إلى دمار الأمم والدول التي لا تجني من خلالها إلا الموت والتشرّد والجوع والهجرة.  ولذلك فإننا نؤكد على الحوار الهادف لصون حرية التعبير دون أن يصل إلى حدّ التطرّف، فالحوار وحده يضمن الحفاظ على الحريات وإحترام القوانين والدساتير حيث يصل في معظم الأحيان إلى تعديل الدساتير والأنظمة لتُصبح ملائمةً لحياة الشعوب وكرامتها.  

وختمت بشكر صاحب الرعاية، أصحاب السماحة والسيادة، الأساتذة الأفاضل والحضور الكريم،  الحاضرين معنا هنا والمشاركين عبر وسائل التواصل الإجتماعي، كل التحيّة لكم وكل الشكر على تلبيتكم للدعوة والمشاركة والتحية للأخ الأستاذ عباس ضاهر الإعلامي المميّز الذي سيغني هذا اللقاء بحرفيّته المعهودة في إدارة هذا اللقاء الحواري.  

 والقى راعي الحفل الدكتور ميشال موسى كلمة جاء فيها : يشرفني أن أشارككم هذا اللقاء الحواري الواعد، في رحاب الجامعة الاسلامية في لبنان، في حضور نخبة من الوجوه الفكرية والثقافية والأكاديمية والقانونية والاعلامية. بين حرية التعبير والتطرف في التعبير، مسافة من الضوابط والسلوكيات الانسانية والأخلاقية والقانونية والاجتماعية، تقصر أو تطول، تبعاً لطبيعة المجتمعات، ودور السلطات ومؤسساتها في تحديد الخط الفاصل بين ما هو حق في التعبير الحر وما هو جنوح الى التعبير المتطرف. بطبيعة الحال، كلما كان المجتمع المدني متمتعاً بحقوقه البديهية في دولة مستقرة، لا تتنازعها الأهواء ولا الانقسامات السياسية أو الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو الإتنية، كلما كانت حرية التعبير مصانة بما يترجم الالتزام بالشرعة العالمية لحقوق الانسان. 

و راى ان حرية التعبير تمثل روح الديموقراطية في الأنظمة الديموقراطية، وحقاً بديهياً من حقوق كل فرد، تكفله الدساتير المرتكزة الى المواثيق والشرائع الدولية، كما أنها قمة حرية الانسان.وإذا كانت هذه الحرية في العقود السابقة، تجلت في ميادين مختلفة ولا سيما منها الانتخابات ووسائل الاعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، فإنها في عصرنا الحاضر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، باتت سيفاً ذو حدين، نظراً الى سهولة استخدامها ورواجها السريع والواسع، وصعوبة ضبطها أو التحكم بها، الأمر الذي يحتم تنظيمها قانونياً لئلا تصبح أداة هدم مجتمعية وشخصية. 

واردف…. لاشك في أن للتطرف في التعبير أسباباً عدة، إلا أن معالجته تفترض قيام دولة قوية وعادلة، محصنة بقضاء مستقل ونزيه، وتشريعات حديثة تتواءم مع مندرجات الشرعة العالمية لحقوق الانسان، تأخذ على عاتقها الحوار مع المجتمع المدني خصوصاً وشعبها عموماً، لترجمة تطلعاته المشروعة، متجنبة المعالجات الأمنية الصرفة التي من شأنها ان تجنح الى القمع وكم الأفواه والظلم الذي يؤجج التطرف. أما نحن في لبنان، فقد شهدنا في العامين الأخيرين، خروجاً عن المألوف في التخاطب عبر وسائل الاعلام، وإساءات الى مقامات وطنية سياسية ودينية بل حتى الى المقدسات، وإذكاء لنعرات مذهبية وطائفية أو حزبية، ولاحظنا أن معالجة بعضها كانت عبر الأجهزة الأمنية أو إحالات على القضاء، فيما العلاج الحقيقي ينبغي ألا يقتصر على الناحية الردعية فحسب، بل أن يتعداها الى معالجة الأسباب التي دفعت وتدفع الى مثل هذا التطرف الكلامي الذي من شأنه إثارة الغرائز وشحن النفوس والتسبب بالعنف. 

وراى إن التحديات المصيرية التي يواجهها لبنان في هذه المرحلة، تفرض علينا العودة الى الحوار الذي من شأنه أن يقرب بين الأفكار ويؤدي الى التفاهم، خلافاً للتباعد القائم اليوم الذي قد يودي بالبلاد الى التهلكة لا سمح الله، فضلاً عن تطلعنا الى قيام الدولة القوية العادلة التي ترعى مستقبل مواطنيها وتحمي حرياتهم.وفي تشريع واعد، تناقش اللجان النيابية مشروع قانون جديد للإعلام، من شأنه تعزيز الحريات، وتحديد طريقة التعاطي مع المخالفات، بطريقة حديثة وعصرية.  

وختم بالقول: تحية تقدير الى إدارة هذا الصرح الأكاديمي المميز، والى مركز حقوق الانسان في جامعتكم الزاهرة، والى مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، آملاً لهذا اللقاء الحواري مناقشات قيمة والخروج بتوصيات تثري مجتمعنا وتساهم في التخفيف من حدة التطرف التي تعصف به من حين الى آخر 

و ألقى مدير المركز الكاثوليكي للأعلام الدكتور عبدو أبو كسم مداخلة في المحور الاول تناولت التحديات الوطنية الثقافية والسياسية لموجات التطرف الفكرياكد فيها أن ما يحدث اليوم في لبنان منذ سنة و نصف السنة من تحركات وتظاهرات يقوم بها فئة كبيرة من الشعب اللبناني أغلبيتهم من جيل الشباب ضد أشكال الفساد في إدارات الدولة، ومنهم من يطالب بتغيير النظام ورحيل الطبقة السياسية الحاكمة التي أوصلت البلاد الى هذا الانهيار الكبير على المستوى المالي ،الاقتصادي، الاجتماعي والصحي، لافتاً الى ان هذه التحركات إذا لم تجد اذان صاغية لدى المسؤولين سوف تنتقل من مرحلة الاعتراض على الواقع الى مرحلة التطرف الفكري مع ما يستتبعه من ردات فعل قد تصل الى مواجهات دموية . 

وختم محذرا ان الكيان اللبناني في خطر وعلينا جميعًا العمل من اجل المحافظة على هذا الكيان كي يبقى لبنان وطن الرسالة.  

وثم تحدث القاضي الشرعي الشيخ الدكتور محمد النقري عن أخطار التطرف الفكري ونتائجه على المجتمع فقال: يبرز موضوع تطرف الفكر الديني في الأولوية باعتبار ديناماكيته وتطوره الزمني والحالي. رغم أن الكثير يشير بأصابع الإتهام الى الأديان الإبراهيمية في انتشار الأفكار الدينية المتطرفة وسبباً لحروب دينية طويلة الأمد. إلا أنه من السهل نقضها. وأيٍّ كان، فإن المشكلة التي أثارها أتباع الأديان الإبراهيمية والتي تتراوح وفق درجات متفاوتة لفهمهم حصرية وصوابية كل دين منهم، أدى الى نشوء أفكار وآراء متطرفة مهدت الى نشوب أفظع وأعتى وأعنف الحروب التي عرفتها البشرية . 

واردف…ولكن يجب الا يغيب عن نظرنا بأن التصرفات الجهنمية الخفية والمخطط لها من قبل بعض دول الغرب والتي سعت الى شيطنة العالم الإسلامي تمهيداً لتقسيم ما تبقى مما سبق تقسيمه وللسيطرة عليه بسبب ما يتميز به من موارد نفطية ومن مواقع استراتيجية، وبسبب تأمين الحماية لدولة إسرائيل وتربعها على خريطة الشرق الأوسط الجديد، هي عين الأفكار المتطرفة التي تسعى الى تقويض المجتمعات العربية ومحاربة المظاهر الدينية وزرع الفتن والحروب تارة بين إثارة النعرات الطائفية بين المسلمين أنفسهم، وتارة بين المسلمين والمسيحيين. 

وتحدث رئيس قسم الترشيد والتوعية الاسرية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ الدكتور محمد حجازي عن أسباب التطرف الفكري و مظاهره ، مشيراً الى ان التطرف الفكري ينمو بفعل تربية المعتقدات والسلوكيات الخاطئة والتي تدفع صاحبها للميل إلى التحجر و العصبيات البغيضة وتساعد على تورم الحالة النرجسية داخل الشخص المتطرف والذي يقبل برأي اخر . 

واستعرض العوامل التي تدفع المتطرف إلى فعل او قول حاد ومتعصب ،ومن اخطرها : 

١ العامل التربوي والتعليمي الذي يساهم في صناعة ذهنية لا تؤمن بالتعددية وتقبل الاخر انما تنمو على حب الذات بطريقة غير صحيحة. 

٢ العامل الاخلاقي وفقدان المعايير الخلقية الحسنة مما يجعل الإنسان فظا غليظ القلب . 

٣ التخلف الاجتماعي والقصور الذهني، فالانغلاق على العادات والاعراف الضيقة يمنع من التفاعل مع الآخر ويدفعه لرفضه. 

٤ عامل فهم الدين الخاطئ، لان من يعتبر أن الدين هو للتعصب والتفرقة، فإنما يدل على عدم استيعاب الفكر الديني برمته . 

٥ العوامل السياسية والاقتصادية وغير ذلك. 

وختم بالقول: لقد نجحت الجامعة الإسلامية بتكريس الخطاب الوطني المفعم بالأخلاق الدينية المنفتحة على جميع الناس في الشرق والغرب . 

 وتحدث أمين عام مؤسسة العرفان التوحيدية في لبنان، رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبو المنى عن التحديات الوطنية الاجتماعية لموجات التطرف الفكري، فقال: ان حريّةُ التعبير ليست مُطلَقة، بل هي مقيَّدةٌ بضوابطَ أخلاقيةٍ واجتماعية وحقوقية، وإلَّا أصبحت نوعاً من التطرُّف أو الفظاظة أو التجريح والقذف والإساءة للإنسان وللمجتمع وللدولة الحاضنة، فالحرية مرتبطة باحترام حرّيّة الآخرين ولها ضوابطُ وحدود. 

واردف…اليوم أصبحنا أمام تفلُّتٍ أخلاقي واجتماعي تحت عنوان الحريَّة في التعبير، لا سيَّما وأن وسائلَ التواصل الاجتماعي ساهمت إلى درجة كبيرة بالانفلات والتطرُّف في ممارسة حقّ التعبير، والانحراف عن سكّة الاخلاقيّات والآداب العامّة في إبداء الرأي والنّقد، ما يسمح للأجهزة الامنيّة والقضائيّة بالتصرُّف الرادع، وللمجتمع المدني بالاعتراض وردَّات الفعل. والمطلوب مواكبةُ الثّورة الرقميّة للاستفادة منها، وتطويرُ القوانين لتنظيم حرية التعبير وضبطِها وحمايتِها والحفاظ على الكرامة الشخصية والصحَّة الاجتماعية والمصلحة الوطنيّة، بعيداً عن الكبت والحرمان والممارسات القمعيّة التي تنتهجُها بعضُ الدول، وذلك لا يكون إلَّا عبر التفريق القانوني والأخلاقي بين ما هو حريّة وما هو تفلُّتٌ وفوضى، وعبر إيجاد توازنٍ فعليّ بين ما هو حقٌّ وما هو التزامٌ وانضباط. 

وختم بالقول: كلَّما ارتقينا في مواجهتنا وفي معالجتنا للتحديات الوطنية والاجتماعية كلَّما خفَّت حدَّة التعبير والاعتراض، ولكنها لن تنتهيَ بالكامل لأنَّه ليس من كمالٍ في إنساننا ومجتمعِنا، إنّما الواجب الديني والاجتماعي يقضي بتحمُّل المسؤولية والمبادرة إلى القيام بما هو أفضل، والتقدُّم المطَّرد نحو تحقيق الخير العام، وإلَّا نكون قد أفسحنا المجال أمام التطرُّف في التعبير، وربَّما في المواجهة والتَّحدي. 

 وتحدث في المحور الثاني رئيس لجنة الثقافة في المؤتمر العام لليونيسكو في دورته الأربعين، نائب رئيس اللجنة الوطنية لليونيسكو القاضي الدكتور عباس الحلبي عن دور حرية التعبير والحوار في تسوية النزاعات ( أزمة القضاء انموذجاً)، فرأى أن حريّةَ التعبيرِ تبقى ناقصة، إِنْ لم تُستَتبَع بالحوار الذي هوَ حاجة وضرورة لاكتمالِ حريّةِ التعبير ومضامينِها ومعانيها. معتبرا أنه يُفتَرض بالقضاء أَنْ يمنحَ مساحةً أكبر من الحريّة لكي يمارس الأفراد حقّهم بالتعبير عن رأيهم من دون أي ضغوط وعواقب، خصوصًا أنَّ القاضي هو الحارس الطبيعي للحريّات الفرديّة والخاضع بكليّته لأحكام الدستور والقانون والنظام. منبها إلى أَنَّ حريّة التعبير وإِنْ انطبقت على الأفكار من أيِّ نوعٍ كان، فهيَ ليست بلا حدود بل تأتي جنبًا إلى جنب مع الحقوق والحريّات الأساسيّة الأخرى.  

ورأى الحلبي أن القضاء اليوم في أزمة، حيثُ تَضيع رهبة القاضي بين فجور السياسة والعبث بالدولة كيانًا وعيشًا مشتركًا ومؤسّسات ودستورًا وقوانين، وحيثُ يخفت صوته أمام الحكّام وأهل السياسة والعسكر الذين يتدخّلون في شؤون القضاء وشجونه. ولكي نخرُجَ من تلكَ الحالة المتأزِّمة، يجبُ أوّلاً إقرار قانون السّلطة القضائيّة المستقلّة، والانطلاق بمسيرةٍ تربويّة مستديمة، تبدأُ على مقاعد المدرسة والجامعة وفي الصّروح الدينيّة والثقافيّة والوطنيّة وفي أروقَةِ المحاكم وقصور العدل. 

و تحدثت أستاذة كرسي كمال يوسف الحاج للفلسفة اللبنانية في جامعة الروح القدس الكسليك الأستاذة الدكتورة هدى نعمة عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في عصر العولمة ومخاطرها، وقالت:  ليس بالأمر السهل أن تتناول ثلاثة مفاهيم، ” حرية التعبير”، ” وسائل التواصل الإجتماعي “، و” العولمة “، في موضوع شائك لما افتقدته من مناقبية مقولة ” حرية التعبير “، ولما اكتسبته من انفلاش، في كلِ الاتجاهات وقالت، نحن في قلب عولمة طاحنة تواكبها إمبراطورية تكنولوجية وإعلامية هائلة، تمدُّها بكلّ ما أوتيت من أدوات لتتحكَم بالمجتمع الإنساني على مستوى القرية الكونية  

  ورأت انَ زمن العولمة يشهد لانفلات مفهوم “حرية التعبير” من عقاله، والقانون الحائل دون سقوط حرية التعبير في الخطابات اللاغية الواحد للآخر، أصبح عاجزاً عن الحدّ من ” الهستيريا ” الجماعية  العابرة للحدود.  

واقترحت نعمة أن نجمع العولمة، ووسائل التواصل الاجتماعي وحرية التعبير في مثلَث إنتاج المخاطر الحاضرة ، والآتية، والاقتناع انّ التربية هي الثروة الوحيدة لإصلاح ما أفرزته المصانع الالكترونية من علم ضاعف  عدد الأميين الجدد بشكل مخيف ومهدّد للمستقبل.  

و الكلمة الأخيرة في المحور الثاني كانت للبروفيسور في القانون الخاص والعلوم الجنائية من جامعة مونبلييه فرنسا، أستاذ محاضر في كلية الحقوق الجامعة اللبنانية، ألاستاذ الدكتور رامي عبد الحي عن حرية التعبير في لبنان والقانون الجزائي، فرأى أنه بالرغم من النصوص العامة التي ترعى بالظاهر حرية التعبير عن الرأي نرى أنه عند تعبير أي مواطن عن رأي يزعج السلطة لنقدٍ أو كشفٍ عن حقيقة أو تسليط ضوء على اختلاس أو سوء إدارة، ترتبك السلطة وتصبح في مواجهة معضلة الحفاظ على صورتها الحضارية أمام الخارج وجمعيات الداخل وبين ضرورة كم الأفواه خوفاً من انفلاش الاعتراض ليهز عرشها. ولذلك فهي تستعمل مواد قانون العقوبات كمخالب تغرزها في جسد الحرية وكسيف مسلط على رقاب الأحرار. 

ولفت الى أن قانون العقوبات اللبناني الحالي هو قانون عقوبات صادر قبل استقلال لبنان. لذلك من الطبيعي أن يكون في طياته العديد من الأحكام التي لا تتآلف مع المجتمع الحالي.  

واقترح عبد الحي على المجلس النيابي إلغاء تجريم القدح والذمّ والتحقير جزائياً، بحيث يقتصر التجريم على المسؤولية المدنية وبالتالي إلغاء العقوبات السالبة للحرية كعقوبة السجن. وعدم منح الشخصيات العامّة، أياً كان منصبهم، حماية خاصّة من القدح والذمّ. ومنع المؤسسات الحكومية، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية، من رفع دعاوى قدح وذم. النصّ على أنّ الحقيقة ستكون الدفاع الفاصل في قضايا القدح والذمّ . حصر التجريم فقط بالتصريحات التي ترقى إلى التحريض على العنف أو الكراهية أو التمييز على أساس قومي أو عرقي أو ديني.  

ودار حوار بين الحضور والمشاركين الذين اجابوا على اسئلتهم. 

وفي الختام خلص اللقاء الحواري بين” التطرف والحرية في التعبير” الى اعلان التوصيات التالية:  

١- تُعتبر الأزمات السياسية والاقتصادية والامنية هي مساحات تمهيدية للفوضى، التي تكون أرضاً خصبة للتطرف بكل اتجاهاته، مما يحتم إستباق المخاطر عبر العدالة الاجتماعية وحل مشكلة البطالة، والتثقيف السياسي الوطني، وترسيخ قيم الوسطية والإعتدال.  

٢- ان الحوار هو ركيزة اساسية لإجهاض مشاريع التطرف الفكري، يتم عبره ايجاد تسويات دائمة، في بلد متعدد الانتماءات والولاءات.  

٣- تحييد المجتمع عن العصبيات الدينية على قاعدة أن الاديان جميعها جاءت لخدمة الانسان.  

٤- ترسيخ حرية التعبير، بإعتبارها مسؤولية وواجب، ومنع استغلالها كمنطلق لأي اساءة أو تجن على الآخرين.  

٥- مطالبة النواب بإعادة النظر بالقوانين المتعلقة بحرية التعبير، وتشريع قوانين جديدة مطلوبة تخدم الحرية ضمن أطر القيم الانسانية.  

٦- أنسنة التقنيات لإحباط محاولات نسف القيم الاجتماعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والاستفادة من الحرية المسؤولة في تغيير اتجاهات العولمة، لتصبح في خدمة الانسانية، بعد الاعتراف ان العولمة واقع لا يمكن معاداتها.   

٧- تأكيد ان التربية هي الثروة الوحيدة لإصلاح ما افرزته المصانع الالكترونية من عام ضاعف عدد الأميين الجدد بشكل يهدد المستقبل، مما يؤكد على ان التربية على حرية التعبير واجب، تجعل الانسان مسؤولا عن كلامه وتصرفاته. 

أخبار مشابهة