خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي، بما أوصانا به الإمام الرضا(ع) عندما قال(ع): “من أحبّ عاصياً فهو عاص، ومن أحبّ مطيعاً فهو مطيع، ومن أعان ظالماً فهو ظالم، ومن خذل عادلاً فهو ظالم، إنّه ليس بين الله وبين أحد قرابة ولا ينال أحد ولاية الله إلّا بالطاعة، ولقد قال رسول الله(ص) لبني عبد المطّلب: أتونِي بأعمالكم لا بأحسابكم وأنسابكم”..

فلنتوصى بوصية هذا الإمام فنبدي مشاعر الحب لمن أطاع الله وأحبه لا لمن عصاه، وأن لا نعين ظالماً في ظلمه ونقف مع كل من يعمل للحق والعدل وفي خدمة عيال الله، وعندما نأتي الله أن نأتيه كما أمر أن يؤتى بأعمالنا ومواقفنا لا بأحسابنا وأنسابنا، فلا ينال ما عند الله إلا بالورع والعمل..

وبذلك وحده نخلص لهذا الإمام ونكون جديرين بالولاية له وأقدر على مواجهة التحديات…

والبداية من لبنان الذي تزداد فيه معاناة اللبنانيين يوماً بعد يوم على الصعيدين المعيشي والحياتي، وتجعلهم غير قادرين على تأمين أبسط مقومات حياتهم، من دون أن يبدو في الأفق بارقة أمل تخرج اللبنانيين من معاناتهم على هذا الصعيد، إلا من بعض وعود وتقديمات هي من قبيل المسكنات لا تسمن ولا تغني من جوع..

وهي إن قدمت فمن كيس اللبنانيين وجيوبهم ومن إيداعاتهم كما يحصل في البطاقة التمويلية..

فيما المعالجات الأساسية لما يجري مؤجلة بانتظار تأليف حكومة إصلاحات والتي هي الباب الرئيس لتقديم مساعدات للبنان تخرجه من أزماته أو على الأقل توقف حال الانهيار.

ومع الأسف، لا تزال هذه الحكومة أسيرة من يرونها بقرة حلوب لهم ولأتباعهم وأزلامهم من دون أن يبدي أي منهم استعداداً للتنازل عن مصالحهم الخاصة والفئوية لحساب وطن يتداعى.. وذلك إضافة إلى توقف المبادرات الداخلية والخارجية ما يجعل الحكومة بعيدة المنال..

ونحن أمام ما يجري، وفي ظل انسداد الأفق أمام تأليف الحكومة وأمام المواطنين، فإننا ندعو حكومة تصريف الأعمال إلى القيام بالدور المطلوب وضمن الصلاحيات المتاحة لها..

إننا لا نقول ذلك من باب رمي كرة النار الملتهبة في وجهها كما يحصل من البعض، بل منعاً للفراغ، فهي إن لم تستطع أن تقوم بمعالجة جذرية لمشكلات البلد وأزماته لأن ذلك يحتاج لحكومة كاملة الصلاحية، فإنها قادرة على التخفيف من وقع هذه الأزمات على البلد وإنسانه، من خلال إيجاد الآليات التي تمنع من تحول البطاقة التمويلية إن أقرت إلى وسيلة انتخابية أو بالضرب بيد من حديد على المحتكرين والمهربين والناهبين للمال العام..

ولكننا ونحن ندعو حكومة تصريف الأعمال إلى القيام بدورها، فإننا ندعو القوى السياسية إلى مساعدتها على أداء هذا الدور، لا أن تكون عقبة في هذا الطريق من خلال الفيتوات التي غالباً ما تنصب في الطريق عند أي خطوة تراها على حساب مصالحها وامتيازاتها.

ونبقى في الوقت نفسه ندعو كل المعنيين بتأليف الحكومة إلى الخروج من رهاناتهم ومن حال المراوحة ومن المصالح الخاصة أو الفئوية أو انتظار ما قد يجري.. فاللبنانيون لا يحتملون هدر الوقت وإضاعته، ولا بد من أن تزال كل العوائق أمام التأليف، وإذا كان هناك من لا يزال يحول دون أن تبصر الحكومة النور لتثبيت موقع أو استعادة لحقوق طائفته، فإننا نقول لكل من يفكر بذلك، إن الوقت ليس هو الوقت المناسب للمطالبة بحقوق الطوائف أو تثبيت المواقع.. فالوقت هو وقت إنقاذ بلد يتداعى وينهار، وعندما يحصل ذلك لن تبقى طوائف ولا مذاهب، وتذهب معها كل الأحلام الخاصة.

إننا ندعو الجميع طوائف ومذاهب ومواقع سياسية إلى أن يتوجهوا، للعمل معاً من أجل إنقاذ هذا البلد، وسيأتي الوقت الذي من حق كل طائفة أو مذهب أو موقع أن يطالب بما له إن كان له ما يطالب..

ونحن في هذا المجال، نجدد التحذير من استنفار الغرائز الطائفية والمذهبية لشد العصب أو لكسب الجمهور، لأن أي استنفار لغرائز طائفة سيستدعي استنفاراً مقابلاً من طائفة أخرى في بلد لا تزال الطائفية تعشش في كيانه، وقد يؤدي إلى المس بوحدته..

ونبقى في لبنان، لنتوقف عند حوادث السير التي مع الأسف تزداد هذه الأيام وتودي بالأرواح والأموال، وكان من نتائجها الفاجعة التي أدمت قلوبنا وقلوب اللبنانيين فقدان عائلة بكاملها نتيجة حادث سير مروع، والذي أصبح من الواضح أنه نتيجة الإهمال المزمن في تأهيل الطرقات وصيانتها وفوضى القيادة وعدم انتظامها، فضلاً عما تسببت به أزمة البنزين على هذا الصعيد وقد يكون سبب هذه الكارثة، ما يدعو الدولة إلى أن تتحمل مسؤوليتها في تأهيل الطرق وتشديد الرقابة على من يخالفون أصول القيادة واحترام النظام العام، في الوقت الذي نجدد دعوة من يقودون السيارات إلى أن يكونوا أمناء على أنفسهم وعلى من معهم..

ونتوقف عند القرار الذي صدر من الحكومة الأمريكية بإيقاف مواقع وسائل إعلامية عدة والتي إن جاءت كما تدعي بدوافع سياسية، فهي أصابت محطات ذات طابع ديني وثقافي وتوجيهي ومنفتح..

إننا ندعو الحكومة الأميركية إلى العودة عن قرارها والإصغاء جيداً للقيم التي تتغنى بها في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان..

أخبار مشابهة