خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نغتنم فرصة هذا الشهر؛ شهر ذي القعدة. وهو من الأربعة الحرم التي يحرم فيها القتال، وقد سمي بذي القعدة لأنه يقعد فيه عن القتال وعن الظلم، وميزة أخرى له أنه يضاعف فيه الثواب لمن يعمل الحسنات، والعقاب لمن يعمل السيّئات.

وقد وردت في هذا الشهر العديد من المناسبات التي لا بدَّ من إحيائها، ففي أول هذا الشهر، كانت ولادة السيدة فاطمة بنت الإمام الكاظم(ع)، والتي لقبت بالعديد من الألقاب، منها الطاهرة والتقيّة، ولكنّ لقبها الأبرز، والذي تذكر به، هو المعصومة. وجاء أنّ الإمام الرّضا(ع) لقَّبها به، وقد كان لها مكانتها العلميّة، فكانت مقصداً لطالبي العلم.

وقد توفيت وهي في الطريق إلى زيارة أخيها الإمام الرّضا(ع) في خراسان، ودفنت حيث هي في قمّ المقدَّسة.

وفي الحادي عشر من هذا الشهر، ولادة الإمام الرّضا(ع). وفي التّاسع والعشرين منه، وفاة الإمام محمد بن عليّ الجواد.

فلنغتنم فرصة هذا الشهر، ليكون بالنسبة لنا شهر سلام وأمان وعفو وتسامح وعبادة، ولنتزود من معين هؤلاء الأطهار الأصفياء، لنأخذ من طهارتهم ومن صفائهم صفاءً، ومن مسؤوليتهم مسؤولية، وبذلك نكون أقدر على مواجهة التحديات…

والبداية من لبنان الذي يبدو أنّ مسلسل الإذلال الذي يعاني منه اللبنانيون لن يتوقف، وهم في سعيهم لتحصيل الغذاء والدواء والاستشفاء والكهرباء أو في انتظارهم الطويل على محطات البنزين أو المحروقات، وهو لن يتوقف بل سيتفاقم ويزداد مع قادم الأيام بعدما أصبح واضحاً أن لا حلول جادة لكل هذه الأزمات.. وإذا كان من حلول فهي من قبيل المسكنات..

فالإنسان في هذا البلد يبدو أنه ترك لمصيره ليتدبر أمره ويقلع أشواكه بأظافره..

ومع كل هذا يستمر التعقيد على صعيد تأليف الحكومة رغم كل ما يشاع من أجواء إيجابية والتي مع الأسف أصبحت جزءاً من اللعبة السياسية والصراع الدائر بين المعنيين بالتأليف، حيث لا يزال التصلب والعناد والكيدية سيد الموقف على هذا الصعيد المعنيين بتأليفها، ولا يبدي أي منهم استعداده للتنازل للآخر، إما تثبيتاً لموقعه في المعادلة السياسية أو على صعيد طائفته، أو منعاً لتأليفها ضمن الظروف والمعطيات الحالية وانتظاراً منه لظروف أخرى..

في هذا الجو يسعى كل طرف لاستخدام الوسائل المتاحة لديه للضغط على الطرف الآخر، إما باستنفار الغرائز الطائفية والمذهبية ورفع الأسقف، أو في أسلوب قطع الطرقات.. ونخشى أن يكون ما يجري على الصعيد المعيشي والحياتي وما يعانيه اللبنانيون هو جزء من عملية الضغط التي يمارسها هذا الفريق أو ذاك..

إننا أمام هذا الانسداد في الأفق على الصعيد الحكومي، ندعو مجدداً كل القوى السياسية التي تدير البلد وفي مواقع التأثير فيه إلى تحمل مسؤوليتها في إخراجه من الحال الذي وصل إليه، والمعاناة التي يعيشها اللبنانيون بعدما كانوا السبب فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، للعمل بكل جدية على اجتراح حلول واقعية لأزماته وعدم الاكتفاء برمي الكرات وتبادل الاتهامات وتسجيل النقاط، أو توصيف الحال، وأن يُسخر كل منهم موقعه في الداخل، أو علاقاته الخارجية في هذا الإطار، وأن لا يفوتوا أية فرصة لإنقاذ البلد من الانهيار الذي وصل إليه، فهناك في هذا العالم من يريد لهذا البلد الخير بعيداً عن المصالح والمنافع..

ونحن في هذا الإطار، نتوجه بالشكر للعراق وحكومته على مبادرتهم بتقديم مليون طن من النفط الخام لمساعدة لبنان، ونأمل أن يكون للدول الأخرى مبادرات مماثلة تساعد اللبنانيين على مواجهة أزماتهم الحادة..

ونحن في الوقت نفسه، نعيد دعوة اللبنانيين إلى تحمل مسؤوليتهم في الضغط على كل من هم في مواقع المسؤولية وإشعارهم بأنهم لن يغفروا لمن أوصلهم إلى هذه الحال، ونحن نأمل أن تثبت الانتخابات القادمة ذلك…

وفي مجال آخر، نتوقف عند القرار الذي صدر عن حاكم مصرف لبنان بإعطاء المودعين مبلغ أربعماية دولار نقدي وأربعماية بسعر اثنا عشر ألف ليرة..

إننا نرى في ذلك خطوة إيجابية في الطريق لتحصيل المودعين أموالهم، ولكننا في الوقت نفسه، فإننا نرى آثاره كارثية على المستوى الاقتصادي والمالي وإجحافاً بحق المودعين الذين من حقهم أن يختاروا هم كيفية أخذ أموالهم، لا أن يفرض ذلك عليهم.. فاللبنانيون من حقهم أن يسترجعوا أموالهم كاملة، وعلى من أئتمنهم اللبنانيون على أموالهم أن يؤدوا إليهم أماناتهم..

وهنا نخشى أن يكون هذا القرار مقدمة لإسكات اللبنانيين وتمهيداً لرفع الدعم الذي سوف تكون له آثار كارثية على أغلبية المواطنين..

وإلى فلسطين، حيث لا يزال يتمادى العدو الصهيوني في استفزازاته في القدس وملاحقة الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل الفلسطيني وفي اقتحامه للمسجد الأقصى..

إننا نتطلع في مواجهة كل ذلك إلى العمل لتعزيز الوحدة بين الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه الحيّة، وأن يبقى مصراً على المعادلة بأن الاعتداء على القدس والمسجد الأقصى هو اعتداء على كل أرض فلسطينية، وأن يتوسع ذلك ليشمل كل أرض عربية وإسلامية.. وأن لا يخضع لكل الساعين للإيقاع فيما بين مكوناته..

وأخيراً نجدد دعوتنا إلى العمل بكل جدية على إنهاء معاناة الشعب اليمني بوقف الغارات والحصار المطبق عليه، وإفساح المجال لكل المبادرات لكي تفتح الطريق نحو حل سياسي، نريده أن يؤدي إلى توحيد اليمن وإمساكه بقراره الحر لتعزيز حضوره على المستوى العربي والإسلامي وقضاياه.

 

أخبار مشابهة